دور البنك المركزي في ضبط السياسة النقدية

دور البنك المركزي

قبل أن نتحدث عن عرض النقود وكيفية التحكم فيه من المهم أن نتعرف على الدور الذي تقوم به البنوك المركزية في تنظيم الإصدار النقدي. فلقد لاحظنا في الفصل السابق أن دورة حياة النقود في أي اقتصاد تبدأ من البنك المركزي وتنتهي فيه، وسنعرض في هذا الفصل لأسباب احتكار البنوك المركزية لعملية الإصدار النقدي، كما سنعرض أيضا لكيفية معالجة البنوك المركزية النقد المصدر في سجلاتها المحاسبية وتختتم الفصل بعرض حالتين عمليتين توضحان التطور التاريخي لدور البنك المركزي المصري في عملية الإصدار، والأخرى تبين المعالجة المحاسبية لإصدار النقد في ميزانية البنك المركزي المصري، لتقريب ذهن القارئ لما يحدث عمليا.
دور البنك المركزي في ضبط السياسة النقدية
دور البنك المركزي في ضبط السياسة النقدية

دور البنك المركزي في السياسة النقدية

لماذا تحتكر البنوك المركزية إصدار أوراق البنكنوت؟ من المتعارف عليه أن تنظيم إصدار النقود هو من أسباب ظهور البنوك المركزية، بل يمكن القول بأن مسمى "البنوك المركزية لم يكن متداولا بالمقارنة بمسمى "بنوك الإصدار" الذي ساد لوقت طويل. لكن يبقي السؤال قائما، لماذا منحت الدول حق احتكار إصدار أوراق النقد إلى جهة وحيدة هي البنوك المركزية أو للجهات التي مازالت بعض الدول تطلق عليها اسم "سلطة النقد"؟

الواقع أن هناك أربعة أسباب تكمن وراء احتكار البنوك المركزية لعملية إصدار أوراق النقد نتناولها فيما يلي:

مخاطر تعدد مصدري صكوك الإيداع

ذكرنا في فصول سابقة كيف حلت صکوك الإيداع الى أصدرها الصيارفة محل النقود المعدنية الذهبية أو الفضية، وأوضحنا كذلك أنه مع تحول الصيارفة تاريخية وتدريجية إلى الشكل المعروف حاليا بالبنوك، ومع استمرار انتشار الذهب كقاعدة نقدية (10)، استمرت تلك البنوك في التعهد بسداد قيمه ورقه البنكنوت (الصك أو التعهد) الذي تصدره لمودعي أموالهم وثرواقم لديها بالدفع ذهبا عند طلبهم ذلك. ونظرا لتعدد البنوك المصدرة لتلك الصكوك داخل الدولة الواحدة أصبح ما يتداول منها في الأسواق يحمل اسم أكثر من بنك، ويأخذ أكثر من شكل. وأدى توقف بعض تلك البنوك عن سداد قيمة الصكوك التي سبق لهم إصدارها كما سبق وذكرنا إلى التأثير سلبا في درجة مصداقيتها، مما أفقد المواطنين بالتالي الثقة حتى بالبنوك الجيدة. لذا كان من الضروري للدول حماية للمودعين أن تنظم عملية إصدار الصكوك وتوحدها في جهة واحدة. ده ي جهة واحدة.

مخاطر التوسع في منح التمويل

مخاطر التوسع قامت البنوك التي كانت تقبل الودائع المعدنية أيضا بممارسة أحد وظائفها المعروفة حاليا باسم تقديم الائتمان Credit، وذلك بمنح بعض عملائها صكوكة لأجل محدد دون أن يقابلها فعليا ودائع يملكوها من النقود المعدنية، بعد حصول البنوك المانحة على ضمانات يقدمها هؤلاء وتقبلها تلك البنوك، بحيث يمكن للبنوك تصفية تلك الضمانات وبيعها وتحصيل قيمتها عند إعسار المقترض وعدم قدرته على إعادة سداد قيمة الصكوك.
ومع التوسع في تقديم الائتمان دون وجود ضوابط تحكم ذلك التوسع بسبب ما يحققه ذلك من أرباح للبنوك ، زاد حجم الصكوك المتداولة في الأسواق بشكل كبير عن حجم ودائع الأفراد من النقود المعدنية لدى تلك البنوك (وهو ما يمكن أن يطلق عليه تعبير غطاء الإصدار). وساعد نمو التجارة وتنوع الأنشطة الاقتصادية في أوروبا في القرن الثامن عشر على انتشار واتساع عمليات تقديم الائتمان وإصدار الصكوك دون غطاء دون وجود أي تنظيم من أية جهة مسئولة.

وفي المقابل أدت زيادة طلبات بعض حملة صكوك الإيداع لاسترداد ودائعهم المعدنية عما تحتفظ به بنو کهم من عملات معدنية تاريخية إلى إعسار عدد من البنوك عن رد تلك الودائع، مما أدى إلى إشهار إفلاسها وافيار ثقة المودعين فيها، وهو ما هدد مصداقية العمل المصرفي في كثير من دول أوروبا في ذلك الوقت.

الاستجابة إلى طلبات التمويل الحكومية

طلبات التمويل الحكومي احتاجت العديد من الحكومات الأوروبية إلى إيجاد مصدر لتمويل نفقاها العامة سواء في الظروف العادية أو في ظروف الحروب التي انتشرت فيما بينها، وأصدرت بعض تلك الحكومات صکو کا لمديونيتها لمن يكتتب في تلك الصكوك. فقد لجأت بريطانيا إلى استخدام الدين العام (اقتراض الحكومة من الأفراد مقابل إصدارها صكوكا حكومية) منذ عهد ويليام الثالث لحاجته لتمويل الحرب، واستمر حجم الدين هذا في التزايد التدريجي حتى بلغ 861 مليون جنية إسترليني في سنة 1815 ميلادية، دون وجود ضوابط لنمو حجم الديون الحكومية. وكان من الضروري إيجاد جهة ما تقوم بتمويل نفقات الحكومات و تنظم لها ديونها.

الاستجابة للتطورات الاقتصادية

تطوارات الاقتصادية لا يمكن فصل كل ما سبق من أسباب عن التطورات التي حلت بأوروبا طوال قرنين من الزمان، وبالذات في الفترة ما بين بداية القرن الثامن عشر وهاية القرن التاسع عشر، حيث لعب رأس المال دورا كبيرا سواء في الفترة التي تعرف بالمرحلة الانتقالية الممهدة لنشأة الرأسمالية، والتي امتدت ما بين نهاية عصر الإقطاع وبداية نشأة الرأسمالية، أو في مرحلة إرساء دعائم الرأسمالية.

لقد شهدت الفترة الأولى تراكمة للمدخرات في أوروبا الغربية، مصحوبة برغبة وقدرة على استخدام هذه المدخرات بطريقة منتجة. فحتى نهاية القرن 18 كانت غالبية رءوس الأموال المستخدمة في المشروعات ملكا لأصحابها في شكل "شركات فردية"، وكانوا يلجأون إلى أنواع مختلفة من الشراكة مع الغير في حالة عدم كفاية أموالهم. وخلال القرن 19 اختلفت الصورة، حيث بعدت صفة الملكية الفردية عن رأس المال وبدأت عملية فصلها عن إدارة الشركات، وأصبحت معظم الأموال التي كانت موظفة في مشروعات غير مملوكة للقائمين على استغلالها وإدارتها، وأصبح الاكتتاب في أسهم رؤوس أموال "الشركات المساهمة" يمثل أحد الأوعية الأساسية التجميع المدخرات وتوظيفها. ولقد ساعد تكوين هذا النوع من الشركات على تمويل الصناعات الكبيرة التي كانت تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا يستطيع فرد ما أو عائلة واحدة توفيرها.

ولعب طلب هذا النوع من الشركات الاقتراض من البنوك دورا هاما في نمو البنوك وتزايد أعدادها. ففي بريطانيا على سبيل المثال أدى التوسع الصناعي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلى نمو عدد البنوك الخاصة خارج العاصمة لندن بشكل ملحوظ، حيث كان عددها 12 بنكا في عام 1750 ميلادية، ارتفع إلى 781 بنكا في عام 1821(72). وساعدت البنوك المحلية الخاصة مع البنوك التي اتخذت شكل الشركات المساهمة في توفير الائتمان اللازم للمشروعات الصناعية الكبيرة، وتحول الائتمان المصرفي الذي قدمته البنوك من الصفة الفردية التي كانت تعتمد على شخص المدين Personal Loans إلى الصفة الموضوعية المرتبطة بالمشروعات والشركات Corporate Loans بغض النظر عن نوعية أو أسماء الأفراد المالكين لها. 

ورغم هذا التطور الإيجابي اهتزت ثقة المودعين بالبنوك عندما لم تقو الكثير من البنوك الفردية الخاصة على الصمود أمام الكساد الذي أعقب الحرب النابوليونية في عام  1815 وبدأت في إشهار إفلاسها، بينما ظلت البنوك التي اتخذت شكل الشركات المساهمة صامدة. 

ولمواجهة مخاطر اهتزاز الثقة التي تكررت أكثر من مرة خلال تلك الفترة، بدأت بعض الحكومات الأوروبية في التفكير في ضرورة حماية البنوك سواء من مخاطر عدم ثقة أصحاب الودائع، أو مما تتسبب فيه البنوك من مخاطر نتيجة توسعها الائتماني، أو حتى لتشجيعها على توفير ما تحتاجه تلك الحكومات من تمويل، بالإضافة إلى زيادة موارد الدولة من ربح إصدار النقود. ولقد لخص de Kock في كتابه عن البنوك المركزية أسباب لجوء الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر إلى تجميع وتركيز وظيفة إصدار أوراق البنكنوت النائبة لدى بنك واحد في الأسباب الأربعة التالية:
  1. توحيد شكل الصكوك المتداولة في الأسواق.
  2. الرقابة على حجم الائتمان الممنوح من قبل البنوك دون رقيب أو ضابط.
  3. إعطاء الصكوك المتداولة في الأسواق المكانة اللائقة بها.
  4. استحواذ الدولة على ربح إصدار تلك الصكوك.
ومن هنا بدأت بعض الحكومات الأوروبية في منح حق احتكار إصدار تلك النقود النائبة أو الصكوك إلى أحد البنوك دون غيره. ولقد بدأ ذلك التوجه في هولندا في عام 1814، ثم في انجلترا في عام ، 1844 ثم في فرنسا في عام 1848 وتبعتهم المانيا 1875 ثم السويد 1897 ثم مصر 1898 ثم الولايات المتحدة في عام 1914، ثم انتشر الأمر في باقى دول العالم.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -